image تقرير

غزة بعد ثلاثة أعوام من الحرب وأولويات إنقاذ القطاع الصحي

قراءة في تقرير وزارة الصحة الفلسطينية الصادر في تشرين الأول 2026، مع توضيح الفترات الزمنية للمؤشرات المختلفة.

بعد ثلاثة أعوام من الحرب على غزة، تتجاور حاجات صحية يصعب فصلها: علاج المصابين، وحماية الأطفال من سوء التغذية، واستمرار رعاية الأمهات والمرضى المزمنين، وتأهيل مَن تغيّرت حياتهم بسبب الإصابة. وفي الوقت نفسه، تتراجع قدرة المنشآت والكوادر والإمدادات على الاستجابة. وتساعد قراءة الفجوة بين اتساع الاحتياج وضعف القدرة الصحية على تحديد أين يبدأ الدعم وكيف يستمر.

يعرض تقرير وزارة الصحة الفلسطينية، الصادر عن وحدة المعلومات الصحية في تشرين الأول 2026، بيانات عن الخسائر البشرية والتغذية والمنشآت الصحية والأدوية والإجلاء الطبي. وتختلف الفترات الزمنية للمؤشرات: بيانات سوء التغذية لعام 2026 تغطي كانون الثاني إلى آب، وعدد حالات الإجلاء المذكور يبدأ من شباط 2026، بينما تستند مؤشرات الصحة النفسية للشباب إلى دراسة أُجريت عام 2024. لذلك لا تُقرأ هذه الأرقام كأنها قياسات أُجريت في يوم واحد.

حصيلة الخسائر البشرية وحجم الاحتياج الصحي

يسجّل التقرير 74,237 شهيدًا و175,267 جريحًا، بينهم 21,976 طفلًا شهيدًا و45,569 طفلًا جريحًا. ويورد أيضًا 11,301 شهيدة من النساء و5,405 شهداء من كبار السن. ومن الناحية الصحية، لا يختزل عدد الجرحى في التدخل الجراحي الأول؛ فالاستجابة تحتاج إلى معرفة مَن يحتاج إلى عمليات إضافية أو تأهيل أو متابعة قريبة من مكان إقامته، ومَن يحتاج إلى خدمة غير متاحة تتطلب الإحالة.

ويعرض التقرير تغيرًا في حصة الفئات المختلفة من إجمالي الشهداء بين الفترات. ويجب التمييز بين حصة فئة من الإجمالي وبين عدد أفرادها؛ فانخفاض نسبة الأطفال في فترة معينة لا يثبت وحده انخفاض الخطر عليهم. وتحتاج المقارنة الدقيقة إلى مراعاة طول الفترة وعدد الشهداء وطريقة التصنيف.

الطفولة بين الإصابة والفقد وغياب التعليم

يورد التقرير 1,125 شهيدًا من الأطفال دون عام واحد، و5,444 دون الخامسة، و612 طفلًا وُلدوا وقُتلوا خلال الحرب. كما يعرض متوسطًا يقارب استشهاد طفل كل 71 دقيقة. وهذه الفئات متداخلة، فلا تُجمع للحصول على إجمالي جديد فوق عدد الأطفال الشهداء.

ويمتد أثر الحرب إلى الأطفال الذين بقوا أحياء. فقد سُجّلت 1,134 حالة بتر بين الأطفال، و71,846 طفلًا ضمن فئة الأيتام، و914,102 طفل محروم من التعليم، و1,204,102 طفل يفتقر إلى الأمن الغذائي. وهي مؤشرات لاحتياجات مختلفة قد تجتمع في الطفل نفسه. وتتطلب رعاية الطفل المصاب خطة تبدأ في المستشفى وتستمر بعد الخروج، وتشمل المتابعة والتأهيل والمنتجات المساعدة والنقل، مع ربط الأطفال الذين فقدوا مقدمي الرعاية بخدمات الحماية المناسبة.

ارتفع معدل وفيات الأطفال دون الخامسة من 13.6 لكل ألف مولود حي في 2022 إلى 33.4 في 2025، أي نحو 2.46 ضعف قيمة 2022. ولا يحدد هذا المؤشر وحده سبب كل وفاة، لكنه يبرز أهمية الرعاية الصحية والتغذية والمتابعة المنتظمة.

سوء التغذية وصحة الأم

يسجّل التقرير 466 وفاة مرتبطة بسوء التغذية منذ بداية الرصد: 157 طفلًا، و48 امرأة، و189 من كبار السن، و72 رجلًا. وتظهر هذه الأرقام أن برامج التغذية يجب أن تشمل كبار السن إلى جانب الأطفال والنساء.

الفترة إجمالي حالات سوء التغذية الحاد المسجلة دون الخامسة المعتدل الشديد
2024 40,032 32,413 7,619
2025 94,086 76,137 17,949
كانون الثاني إلى آب 2026 23,883 20,735 3,148

هذه أعداد حالات مسجلة، ولا تثبت وحدها عدد الأطفال الفريدين عبر الفترات. كما لا تجوز مقارنة ثمانية أشهر من 2026 بعام كامل لإثبات تحسن أو تراجع؛ فالعدد المسجل يتأثر بالوصول إلى التحري والعلاج. ويحتاج الدعم إلى ربط اكتشاف الحالة بجهة قادرة على علاجها ومتابعتها، مع تنسيق الغذاء والصحة والمياه والنظافة.

وبين الحوامل، يعرض التقرير فقر الدم بنسبة 41% في 2022، و50% في 2024، و67% في 2025، و61% في 2026. وعلى الرغم من انخفاض النسبة في 2026 عن 2025، فإنها بقيت أعلى من مستوى 2022. كما يورد متوسط عجز أدوية صحة الأم والطفل عند 50% خلال 2026. وينبغي لذلك تصميم رعاية متصلة تشمل متابعة الحمل والولادة والإحالة ورعاية الأم والمولود بعد الوضع، مع خطة للاستمرار إذا تغيّر مكان إقامة الأسرة أو تعطلت المنشأة.

المنشآت والكوادر والقدرة التشغيلية

بحسب التقرير، استُهدفت المستشفيات الـ38 المشمولة بإحصائه جميعها؛ يعمل 19 منها بصورة جزئية وخرج 19 من الخدمة، إلى جانب 12 مستشفى ميدانيًا إضافيًا. كما استُهدف 158 مركز رعاية أولية من أصل 158، يعمل 94 منها جزئيًا وخرج 64 من الخدمة. ولا تعني عبارة «يعمل جزئيًا» توافر جميع الأقسام أو الكوادر أو الإمدادات؛ فالقرار العملي يتطلب تحديد الخدمة المتاحة فعلًا وقدرة المرضى على الوصول إليها.

ويورد التقرير 825 حادثة استهداف للمرافق الصحية و216 لمركبات الإسعاف، مع استشهاد 1,723 من الكوادر الصحية واعتقال 362. وقد تتكرر الحوادث على المنشأة أو المركبة نفسها؛ لذلك لا تُفسر أعداد الحوادث بوصفها أعدادًا لمنشآت فريدة. ويحتاج التعافي إلى دعم الفرق المحلية وتحديد فجوات التخصص والتدريب، مع ترتيبات واضحة لتسليم الحالات حين ينتهي عمل أي فريق زائر.

انخفض إجمالي الأسرّة من 3,412 في 2022 إلى 2,623 في 2026، بينما تراجع عدد الأسرّة في منشآت وزارة الصحة من 2,674 إلى 1,205؛ أي انخفاض يقارب 23.1% في الإجمالي و54.9% في أسرّة الوزارة مقارنة بعام 2022. ووجود سرير لا يثبت توافر الخدمة التي يحتاج إليها المريض، إذ يعتمد استخدامه على الكادر والإمدادات والتشخيص والتشغيل.

المعدة أو الخدمة العدد العامل ضمن الإجمالي المعروض
مولدات الطاقة 16 من أصل 44
محطات الأكسجين 12 من أصل 35
أجهزة التصوير المقطعي 3 من أصل 18
أجهزة الرنين المغناطيسي لا جهاز عامل من أصل 9

وعند دعم المعدات، لا تكفي عملية التسليم وحدها؛ فالمولد يحتاج إلى تركيب ووقود وصيانة، والجهاز التشخيصي إلى مواد متوافقة وكادر وتشغيل آمن.

نقص الأدوية والمختبرات

يفيد التقرير بأن 44% من أصناف الأدوية الأساسية و54% من أصناف المستهلكات الطبية وصلت إلى مخزون صفري. كما يعرض عجزًا بنسبة 83% في مواد الفحص المخبرية و71% في المستهلكات المخبرية. ويجب التمييز بين نفاد صنف بالكامل وبين نسبة عجز مجموعة من الإمدادات؛ ولا تصلح هذه النسب وحدها قائمةً للشراء.

وفي متوسط عجز أدوية الخدمات خلال 2026، يسجل التقرير 96% للقسطرة القلبية والقلب المفتوح، و85% لجراحة العيون، و59% للسرطان وأمراض الدم، و58% للرعاية الأولية، و57% لخدمات الأسنان، و52% للكلى والغسيل الدموي، و50% لصحة الأم والطفل، و34% للجراحة والعناية الفائقة. وهذه نسب عجز أدوية، وليست نسب توقف الخدمات أو الوفيات. وتحتاج كل خطة دعم إلى تحديد الأصناف والمواصفات والكميات والمخزون المتبقي وإمكانية استخدام المواد عند وصولها.

الإجلاء الطبي ومخاطر الانتظار

يورد التقرير 21,000 مريض مسجل ينتظرون السفر للعلاج، بينهم 5,803 أطفال و4,800 مريض أورام. ويصنف 160 حالة على أنها تحتاج إلى علاج منقذ للحياة و2,220 حالة طارئة. وقد تتداخل هذه الفئات، فلا تُجمع للحصول على قائمة انتظار جديدة. كما يسجل وفاة 2,027 مريضًا أثناء انتظار الإجلاء، بينهم 264 طفلًا و505 مرضى أورام، وإجلاء 2,853 مريضًا منذ شباط 2026 حتى إعداد التقرير. ولا تُقارن حصيلة الوفيات والإجلاء مباشرة كأنهما نتيجتان للفترة نفسها؛ إذ لا يحدد التقرير فترة البداية نفسها للوفيات.

تحتاج الاستجابة إلى تحديث التقييم السريري، وتحديد الخدمة المستقبلة، واستكمال الإحالة والنقل، والحفاظ على الاتصال بالمريض أثناء الانتظار. ويظل توسيع الخدمات المؤهلة داخل غزة مهمًا للحالات التي يمكن علاجها محليًا، مع مسار خارجي واضح للحالات التي تحتاج إلى خدمات غير متاحة.

الصحة النفسية للشباب

يعرض التقرير نتائج دراسة شملت 1,011 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عامًا في محافظات غزة الخمس خلال آب وأيلول 2024. ومن بين المشاركين، عبّر 98% عن القلق على حياتهم، وشعر 39% بالخوف بصورة شبه يومية، وأظهر 61% مؤشرات قلق متوسط إلى شديد، ونحو 57% مؤشرات اكتئاب متوسط إلى شديد، واستوفى 56% معايير قائمة فحص لاضطراب ما بعد الصدمة.

هذه نتائج عينة في فترة محددة، وليست تقديرات محدثة لجميع شباب غزة في 2026، كما أن أدوات الفحص لا تغني عن التقييم السريري الفردي. ومع ذلك، فهي تدعم توفير دعم نفسي مناسب للعمر، ومسار إحالة ومتابعة يحمي الخصوصية ويراعي أثر الغذاء والمأوى والأمان والخدمات الأساسية في حياة الشباب.

أولويات التعافي ودور الشركاء

تبدأ الأولويات بتثبيت الخدمات التي يمكن تشغيلها واستمرار استخدامها: الكهرباء والأكسجين والإمدادات الأساسية والتشخيص، مع دعم الكوادر المسؤولة عنها. وتحتاج الرعاية الأولية إلى دعم متابعة الأمراض المزمنة وصحة الأم والطفل والتحري التغذوي والإحالات، وفق ما تحدده المنشآت والفرق المعالجة. وينبغي إدماج التأهيل والصحة النفسية منذ المراحل الأولى، وتحديد المسؤول عن متابعة كل حالة.

يمكن للشركاء عبر غزة نبض القلب ربط احتياجات المنشآت المتحقق منها بالإمدادات والخبرة والدعم التشغيلي المتاح. ويحدد كل مقترح الخدمة والمنشأة والمدخل المطلوب ومن سيستخدمه ومدة الدعم والعوائق المحتملة، ثم يتابع النتائج من خلال استمرار الخدمة وتوافر الإمدادات واكتمال الإحالات. ويمكن للمؤسسات التواصل مع الفريق لبحث مجالات التعاون وربط إمكاناتها باحتياجات صحية واضحة.

توضح حصيلة السنوات الثلاث أن التعافي يحتاج إلى استمرارية يمكن التحقق منها: خدمة تعمل، ومريض يستطيع الوصول إليها، وعلاج لا ينقطع عند انتهاء مرحلة واحدة.