تقرير
قد يبقى مبنى المستشفى قائمًا، بينما يفقد القدرة على تقديم الرعاية التي تمنحه معناه ووظيفته. فغرفة العمليات التي تفتقر إلى كهرباء مستقرة، والجناح الذي لا يتوافر فيه الأكسجين، والمختبر الذي تنفد منه مواد الفحص، قد تظل جميعها ظاهرة على خريطة المنشآت الصحية. لكن بالنسبة إلى المريض الذي يحتاج إلى هذه الخدمات، قد تكون النتيجة العملية مماثلة لإغلاقها.
هذا التمييز أساسي لفهم أزمة الرعاية الصحية في غزة. فعدد المستشفيات يقدّم نقطة بداية، لكنه لا يخبرنا إن كان مولود خديج يستطيع الحصول على العناية المكثفة، أو إن كان مريض غسيل الكلى قادرًا على مواصلة علاجه، أو إن كان المصاب يستطيع الوصول إلى فريق جراحي يعمل فعلًا. والسؤال الأكثر فائدة هو: ما الخدمات التي يستطيع الناس الوصول إليها، وما الذي يهدّد استمرارها؟
في 22 أيار 2025، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن ما لا يقل عن 94% من مستشفيات غزة تضرّر أو دُمّر. وسجّلت 697 اعتداءً على الرعاية الصحية منذ تشرين الأول 2023، ووصفت نقصًا شديدًا في الأسرّة والكوادر والإمدادات، إلى جانب عوائق الوصول. وبحسب تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان المنشور في تموز، لم يبقَ سوى 18 مستشفى من أصل 36 يعمل بصورة جزئية.[1][2]
ولا ينبغي فهم عبارة «يعمل بصورة جزئية» على أنها تعني تقديم الخدمات بصورة اعتيادية. فهي، بالنسبة إلى مخططي الاستجابة الصحية، تستدعي أسئلة إضافية عن الأقسام المتاحة، وساعات عملها، والكوادر والإمدادات الموجودة فيها، وقدرتها على إحالة المرضى. فالمنشأة القادرة على تثبيت حالة مريض طارئ قد لا تستطيع تقديم العلاج النهائي الذي يحتاج إليه.
وتكتسب تواريخ الأرقام أهمية مماثلة. فقد تغيّر وضع المستشفيات مع الاعتداءات وأوامر النزوح ونقص الإمدادات ومحاولات الإصلاح. والجمع بين بيانات من فترات مختلفة دون توضيح قد يقدّم صورة مضلّلة عن القدرة الصحية المتاحة. لذلك تحافظ التقارير الدقيقة على تاريخ كل رقم، وتشرح ما الذي يقيسه.
أوضح تحديث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 9 تموز أثر أزمة الوقود على مجمع الشفاء الطبي. فبحسب مدير المستشفى، كانت وحدة غسيل الكلى قد توقفت عن العمل للحفاظ على الكهرباء لأقسام العناية المكثفة وغرف العمليات. كما حذّر من المخاطر التي تهدّد الأطفال في الحاضنات والمرضى المعتمدين على غسيل الكلى.[3]
هذا تقرير محدّد عن مستشفى وفي تاريخ معلوم، ولا يثبت توقف جميع خدمات غسيل الكلى أو رعاية حديثي الولادة في أنحاء غزة. لكنه يوضح كيف يمكن لنقص أحد المدخلات الأساسية أن يضع الأطباء أمام مفاضلات صعبة بين خدمات ضرورية جميعها.
ولهذا ينبغي أن يركّز مشروع دعم كهرباء المستشفى على استمرار خدمة محدّدة. فسعر شراء المولّد وحده لا يكفي لإيضاح قدرة القسم على مواصلة العمل. والمقترح المفيد يحدّد الاحتياج الكهربائي، وترتيبات التركيب، ومصدر الوقود، ومسؤولية الصيانة، والمدة المتوقعة للتشغيل. كما يوضح خطة التعامل مع انقطاع الوصول إلى الوقود.
تربط هذه الأسئلة التدخل التقني بالمنفعة الصحية المرجوّة، وتساعد على التمييز بين تسليم المعدات واستعادة القدرة على تقديم الرعاية.
ينبغي التخطيط للمعدات الطبية والمواد المستهلكة معًا. فتوفير جهاز تشخيص دون التأكد من مواد تشغيله المتوافقة، وتدريب العاملين عليه، وترتيبات صيانته، يترك قدرته على الاستخدام موضع شك. وتظهر المشكلة ذاتها عندما تعكس التبرعات ما يتوافر لدى المورّدين أكثر مما تعكس طلبات المنشأة المستقبلة.
وبالنسبة إلى جهات التنسيق، تكون قائمة الاحتياجات المرتبطة بالخدمات أنفع من قائمة عامة بالمنتجات. إذ ينبغي أن تحدّد الخدمة الطبية، والمدخل الناقص، والمواصفات المطلوبة، والاستهلاك المتوقع، والشخص المسؤول عن الاستلام والاستخدام. وعند التفكير في بدائل، يجب أن يؤكد الفريق الطبي في الجهة المستقبلة ملاءمتها.
ويستحق دعم المختبرات وبنوك الدم اهتمامًا خاصًا؛ لأن هذه الخدمات ترتبط بأقسام متعددة. وقد وثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في تقاريره خلال تموز نقصًا شديدًا في الدم ومكوّناته، بالتزامن مع ارتفاع الطلب بسبب الإصابات.[3] لذلك ينبغي تقييم هذا الدعم بالتعاون مع الفرق المسؤولة عن جمع الدم وفحصه وتخزينه وتوزيعه، بدل اختزاله في تبرع بجهاز واحد.
تؤدي خسارة العاملين الصحيين أيضًا إلى فقدان المعرفة والإشراف والقدرات التخصصية التي تعتمد عليها الخدمات. واستشهد تحديث مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في تموز ببيانات وزارة الصحة التي أفادت بمقتل نحو 1,580 عاملًا صحيًا حتى 25 أيار 2025.[3] ويجب إبقاء هذا التاريخ ملازمًا للرقم عند استخدامه.
ومن المهم أن تسأل خطة الاستجابة كيف يمكن للفرق المتبقية مواصلة عملها: ما فجوات التوظيف الأكثر إلحاحًا؟ وأي التخصصات الزائرة يمكن أن تكمل قدرات الفرق المحلية؟ وما الإشراف أو التدريب الممكن تقديمه بأمان؟ وما الدعم العملي الذي يجعل المناوبات أكثر قابلية للاستمرار؟
وينبغي أن يستجيب التدريب لاحتياج موثّق، وأن تتوافر فرصة واقعية لتطبيقه. فقد يهدف برنامج مفيد إلى تقوية خدمة محدّدة، أو تحسين إجراءات الإحالة، أو دعم الاستخدام الآمن لمعدات وصلت إلى المنشأة. وتُقاس قيمته بالقدرة التي يضيفها، إلى جانب عدد الجلسات المنفّذة.
لا يستطيع القسم العامل خدمة مَن لا يستطيعون الوصول إليه. لذلك يجب أن يشمل التخطيط الصحي وسائل النقل، والتواصل بين المنشآت، والمعلومات عن الخدمات المتاحة، وترتيبات الإحالة إلى جهات أخرى. ويزيد النزوح صعوبة الحفاظ على هذه الترتيبات؛ فقد يتغيّر مكان المريض بينما تبقى حاجته العلاجية قائمة.
ولهذا يُفضّل أن يتتبّع التقييم رحلة المريض: هل يستطيع معرفة مكان الرعاية؟ وهل يستطيع الانتقال إليه؟ وهل الخدمة المطلوبة متاحة؟ وإن لم تتوافر، فهل يوجد بديل يمكن الوصول إليه؟ وبعد العلاج، هل يستطيع الحصول على الأدوية والمتابعة أو التأهيل؟
يكشف هذا الأسلوب فجوات قد لا تظهر في جرد المستشفيات. كما يساعد الشركاء على تحديد المواضع التي يمكن فيها لتدخل محدود، مثل دعم النقل أو توفير مستهلكات متوافقة أو إجراء إصلاح، أن يزيل عائقًا كبيرًا أمام الرعاية.
من المؤشرات المفيدة للمانحين والشركاء المنفّذين: عدد الأيام التي بقيت فيها الخدمة المدعومة عاملة، والانقطاعات الناتجة عن نفاد المخزون، والمعدات التي رُكّبت واستُخدمت، والإحالات التي اكتملت. ويجب اختيار هذه المؤشرات مع الفريق المستقبِل، وتفسيرها في ضوء القيود الأمنية وعوائق الوصول.
كما ينبغي التمييز بين عدد الأشخاص المستفيدين وتكرار الاستشارات أو الإجراءات. فقد تعبّر علاجات متعددة للمريض نفسه عن استمرارية مهمة في الرعاية، لكنها لا تُحتسب تلقائيًا بوصفها مستفيدين منفصلين.
والدرس العملي هو أن استعادة الرعاية في المستشفى تتطلب حزمة مترابطة من الكوادر والطاقة والإمدادات والوصول والمتابعة. وقد يساعد دعم عنصر واحد، على أن يوضح المقترح كيف يسهم هذا العنصر في خدمة يستطيع المرضى استخدامها بالفعل.
وبالنسبة إلى قرّاء منصة غزة نبض القلب وشركائها، يقدّم ذلك أساسًا واضحًا للتعاون: البدء بفجوة خدمية متحقّق منها، وتحديد المدخلات اللازمة لمعالجتها، ومتابعة التدخل حتى استخدامه. يمكنكم الاطلاع على المشاريع الصحية للنظر في مجالات مساهمة مؤسستكم بخبراتها أو مواردها.